الطريق إلى مدينتي دمياط
استمع
الخليج العربي بدولة الكويت
لقاء النيل بالبحر بدمياط
مدونةالقاص / محمد سامي البوهي
| ► | يناير 2011 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 |
| 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 |
| 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 |
| 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 |
| 29 | 30 | 31 | ||||

الطريق إلى مدينتي دمياط
استمع
الخليج العربي بدولة الكويت
لقاء النيل بالبحر بدمياط

استمع
بحر في أعماقي
سيرة كائن مائي
بين أحضان النيل والبحر ولد منزلنا ، فاستلقت عليه ضفافي بشريط أخضر يعانق قلوب أسرتي الدافئة ، نشأت بينهم في أرض تتنفس رائحة الخشب العنبري الذي يحمل الملامح المحفورة على جسد الرزق بورش النجارة الصغيرة ، هاتفتني الطبيعة منذ لحظة وعيي من خلف غياهب القدرة الإلهية الواقعة عند حدود الشعرة الفاصلة بين العذب ، والمالح ، و بين الصخب ، والهدوء ، وبين الرمال ،والطين ، لأتعلم من هواجس البيئة ماهية التذوق ، أقف على الخطوط الملونة للشمس السابحة بأطراف البحر الممتدة ، أفرد كفي الصغير لأحجبها عن العالم الكبير ،فأشعر بكياني المستمد من تلك القدرة ، تشرق شمس أخرى تغزل حرفي الأول على قصاصات من الورق ، أطيرها بالهواء لتعلق بأرجل النوارس المهاجرة للعالم الآخر ، أؤمن دائماً بأن هناك عالماً آخر يكمن خلف حدود البحر الغائرة ، جرفني إلى البحث عن وجوه الصفحات بمحاولات تائهة بين خواطر النفس المشحونة بطاقات الكلمات المترجمة لبيئتي المائية ، و كانت البداية لكلمات تتلاعب على سلالم بيوت الشعر ، انطلقت بها مع شعراء مدينتي إلى المدن والقرى المجاورة ، لكني شعرت أن الطاقة الكامنة مازالت تختزل الكثير والكثير ، وجدتني أنجذب بها نحو الشتاء ببرده القارس الذي يجمع الأسرة بأكملها ، حول حكايات جدي – رحمه الله – فكنت أخرج من رحلة استمتاعي بجسر يربط حاضر كلماتي الحائرة بالماضي المسطور على جباه التاريخ.
غرفتي الصغيرة هي ملاذ أحلامي المخلوطة بحبر قلمي الأسود ، ينتشر عبر أثير المذياع الخشبي ، فأشارك أبناء مدينتي صفحاتهم الشهيرة، عشت مع ( طاهرأبو فاشا) آلاف الليالي بقصور شهريار ، تمنيت أن يتنازل لي عن شهرزاد ، فأقطع رأس الديك لتستمر معي بلياليها الملاح ، غصت مع (فاروق شوشة ) بأحشاء لغتنا الجميلة حتى تحولت بحور الشعر بمجراها لتصب ببحر مدينتي دمياط ، ارتمي على مكتبي بأطراف الغرفة ، أجذب جواريره لأحرمه من نومه العميق بركنه المميز جوار النافذة ، أحتسي رشفات من قهوة الحبر ، بفنجان من ورق ، يشبه تماماً قواربي الورقية التي تركتها تسبح منذ عشرات السنين تصارع خيالاتي الهائجة ، أُصَبح أخي (د. أيمن) على حصاد ليلتي الماضية فيمدني بمجاديف جديدة لقاربي الخشبي لأكمل سيري نحو الشاطئ المفعم بحكايات جديدة ، أنهمها من طواجن أبي العسكرية ، المطبوخة بتجارب حرب الاستنزاف ، و انتصارات أكتوبر ، آكل من لحوم حكاياته اللذيذة ، وأهرب من عظام أرقامه المدونة بدفاتر عمله بأحد البنوك ، كم أمقت كل الأرقام، وكم أحب كل أحرف اللغة العربية ، ما أجمل أحرفها ، من الألف حتى الياء ، أعشقها تلك اللغة التي شاركتني أحلامي ، وواقعي ، فكانت مصدراً للثناء على من مدرسيها عبر مراحل تعليمي ،( الأستاذ جمال عبد الواحد ) اسم لا أنساه ما حييت ، مدرس اللغة العربية العاشق الذي دفعني دفعاً نحو المواصلة ، كانت الانطلاقة الأولى من هذه المرحلة ، مرحلة الثانوية العامة ، حملت المنهج لأحدد معالمه ، فكانت القصة هي الطفلة الجديدة التي ولدت لتحمل كلماتي ، و التي وثقتها مرحلة الجامعة حيث التخصص في اللغة العربية وآدابها ، سرت أعانق مسرحيات الحكيم ، و أرفع الكتب عن الجاحظ ، و أستنشق رومانسية عبد الحليم عبد الله ، أتنزه بأزقة نجيب محف



مازلت أذكر هذا الرجل الذي قابلت آهاته غرفتي بمستشفى (عين شمس التخصصي) عندما زارني ليلاً وربت على كتفي ، قائلاً لي بملء فمه … (لا تخف ،ستعيش)،ثم تركني وانصرف دون أن ينبس بكلمة واحدة .. بكيته كثيراً عندما فوجئت بالصباح أن سريره كساه البياض..
في تلك الليلة ، كان المستشفى هادئاً إلا من فخامته التي بانت أمامي بكل تفاصيلها ، أرضية خشبية لامعة ، جدران نظيفة ، وسقف ممتليء بالمصابيح الصغيرة ، تلفاز متوهج بالزاوية البعيدة ، وزر يعتليني للاستدعاء الطارئ..
حاولت مقاومة الفراش للوقوف على قدمي ، لكن باءت كل محاولاتي بالفشل ، لم أيأس من منح جسدي وهم الحراك ، مددت يدي حيث انتهت الأنامل عند أطراف كتاب وضعه أخي على الطاولة جواري قبل رحيله ، كان كتاباً قد أهدته لي زميلتي (شذى) عندما أتت لزيارتي صباحاً ، تفحصت العنوان، فشعرت بسعادة غامرة، عندما اطمأننت أن قدرتي على القراءة مازالت بخير (أمريكا الضاحكة زمان - مصطفى أمين)، أعدت قراءة العنوان بصوت مسموع،مرات ومرات،ثم نظرت للوجوه (الكاريكتورية) الضاحكة المرسومة على الغلاف ،انفجرت ضحكاً ،فداهمني السعال..
تراءت أمامي أشكالٌ هلامية،لم أشعر بشيء بعدها،فقدت الأضواء المنتشرة بالسقف ، وبريق الأرضية الخشبية،ووهج التلفاز ووووو …
عندما أفقت علمت أن ضيفي يكره الضحك ، لعنته .. و لعنت رئتي اليسرى .. و لعنت أمريكا وشذى ، ابتسمت الدكتورة (وفاء) للعناتي التي أعادتني للحياة…
طلبت من أخي (د. أيمن) دفتراً فارغاً ، وق
أشيائي بسيطة.. أتحدث معها ، مكتب ، سرير ، وخزانة ، وبساط يجمع زهوراً برية بلون البحر .. آتيني بفكرة يا أشيائي ، يا كتباً جمعت هذياني ، أين الأفكار الأفكار؟ ، أوراقي امتلأت بوجوه تتألم ، و برحلة بحث عن لقمة عيش ،و بسجن يجمع شتات البشر خلف القضبان ، ورصاصة تخطيء قلب الظلم ، بالله عليكم أسألكم أين الأفكار …؟ ، غربت بسماتي عن شفتيّ، فتوسلت الساعة أن تمضي ، فالليلة ليست ليلة حظ ، لكن الساعة لا تخطيء نخر الحائط …
علمت أن النوم قد جاء ، عندما أيقظني صوت (الهاتف ) ، بصباح تتجمهر فيه الأصوات ككل صباح … قلبت الهاتف ، ليست ساعة إيقاظي، أو اسماً جاء يطلب منى طعم النوم ..
بلوتوث ؟؟!! ..
خياران أمامي (قبول أم رفض) … قبول .. فالوقت صباح ..
جاري التحميل …………..
فتحت المذياع كي أعرف أخبار الدنيا ، لكن الأخبار هي الأخبار ، تعددت الموتى ، والقاتل واحد … أنهيت حمامي ، دخلت المطبخ أعد الإفطار ، طعام مثل الأخبار ،جبن ، بيض ، زيتون ، ورغيف الخبز ، الشاي … أين الشاي ؟؟.. فرأسي تؤلمني منذ الأمس … ارتديت القميص و البنطال ، وضعت الفنجا




قصتان وقراءاتان: دراسة في أدب محمد سامي البوهي
بنية اللعب ومفارقة الحقيقة
بقلم / د. مصطفى عطية جمعة
يمثل القاص محمد سامي البوهي ، نموذجا فريدا في السعي لإيجاد بنية قصصية تتصف بتجاوز السرد التقليدي القائم على الوصف البصري المباشر ، وتحكم السارد في مجمل المعلومات والأحداث المقدمة للمتلقي ، إلى اعتماد آليات قصصية جديدة أساسها بنية أسلوبية تعتمد البلاغية الممزوجة بحركية الأحداث ، وتصاعدها دون أن تكون عبئل على النص ،كما تتخذ المفارقة قناعا ، لتقديم رؤية ساخرة للواقع المعيش ، بكل زخمه وتداخله الإنسانيين ، ولا يغفل في ذلك من التعامل الإيجابي مع الأشياء ، في المكان والزمان ، وهو تعامل يؤنسنها ، وفي الوقت ذاته ، يشيئ البشري ، في جدلية تكاد تكون سمة مميزة للقص عنده .
وسنقوم هنا بعرض نصين قصصيين : الأول نجد فيه إعادة قراءة ، أو قراءة فنية جديدة ، لمشهد يتكرر في حياتنا ، وتناوله عشرات القصاصين ، إنه مشهد البرود الزوجي الذي يعقبه الانفصال ، فالمعتاد أن نرى صخبا صوتيا ، بين الزوجين حول جدوى استمرار الحياة بينهما ، وأسباب هذا البرود ، نجد في قصة لعبة الصمت ، اعتماد آلية جديدة في عرض هذا المشهد ، تقترب من المشهدية السينمائية الصامتة .
وفي القصة الثانية " الرقعة" نرى اللعب الممزوج بالجد ، والجد الهازئ باللعب ، في بنية جمعت : الرمزي ، والواقعي ، الساخر والدرامي ، اللعبي والجدي ، مع المفارقة القصصية التي تتكئ على لعبة الشطرنج لتقدم قراءة فلسفية للسياسي والحياتي .
ولنبدأ بعرض القصتين ( المنشورتين في موقع الواحة الإلكترني ) على أن تتلوهما الدراسة النقدية لكل قصة على حدة .
قصة قصيرة :لعبة الصمت
صامت لا يتحرك بكلمة واحدة ، يدخل عليها ، يخرج عنها ، ولا يترك لها سوى حديث الباب أمامه ، أو من خلفه ، حاولت أن تتحدث إليه ، أو تجتذب منه حرفاً واحداً ، لكنه أصر الصمت أن يكون لها وحدها من بين أشياء المنزل ، لا تسمع سوى أنفاسه ، أو نتاج تحركاته الضئيلة، كأن حكماً بحبس انفرادي كتب عليها ، أغلق عليها كل وسائل المخاطبة، الهاتف ، الجوال ، التلفاز ، المذياع ، الجيران ، أشفق الملل بظمئها ؛ فجعلها تعتصره لتصنع ما يروق لها من عصائر الصبر ،دهسها العام بهذا الحال ، فحدثه الزمن بفشل خطته - لم يلحق بها الجنون بعد - هكذا كان يضمر داخلة ، أراد الهروب سريعاً ؛ فحدثها باب المنزل بخروجه ، ناداها محرك السيارة برحيله ، انقطعت عنها جميع الأصوات ككل يوم ، همت بفتح خزانة ملابسها ، حملتها بين يديها لتكمل معها حديث الأمس،استمرأت حلاوته داخلها، أخذت تصفف شعرها الذهبي ،أرادت أن تتوجه بزهرة حمراء ، فسقطت الزهرة من يدها ، أحنت جسدها لإلتقاطها ، جذبتها عيناها إلى حقيبته ، أ شعرتها بعودته المفاجئة ، أسرعت بإخفاء صديقتها ، سقطت منها ، حاولت ان تلملم أدوات الزينة من أمامها ، تبعثر كل شيء حولها ، اقترب محرك السيارة … أعلن باب الحصن عن عودته ، تقدم بخطواته ، ألقت جسدها عليها … أزاحها ، تشبثت بها بكل ما تملكه من قوة ، جذب طرفها نحوه ، جذبت الطرف الآخر نحوها ، فانقسمت الدمية إلى شطرين .
الدراسة النقدية :
تتعدد الزوايا لقراءة هذه القصة : فنحن أمام مشهد زمني شديد القصر ، هي ، وهو ، في لحظات الفراق ، أو في اللحظة الأخيرة المشهد الذي تلاه فراق وهجر منها ؛ إنها القشة التي قصمت ظهر البعير . وهنا نجد أن القصة انطلقت من آخر الحدث ، أو قمة الهرم لتعيد المتلقي إلى بدئه بشكل غير مباشر ، ليدرك المتلقي : كم كانت الحياة شديدة البرودة ، عميقة الجفاء بينهما ، وصار الصمت معادلا موضوعيا لهذا الجفاء .
ارتباطا بالنقطة السابقة : فإن الصمت اكتسى بحلة جديدة في القصة ، والحلة دلالة ، والدلالة : حركية من تتابع حركات ( هي ) في فضاء السرد ، دون كلام ، فصار الصمت : سكوتا صوتيا ، وحركة مكانية .
العنوان : لعبة الصمت : العنوان الكاشف ، الملخص ، ولو كان العنوان غير هذا كأن يكون : حبس انفرادي مثلا ، ليحدث دلالات عديدة ، لكان أبلغ ، فالعنوان الملخص يقدم نصف الدلالة ، في النص ، إن لم يكن الدلالة كلها .
وهنا نجد الصمت تيمة العمل ، وينبئ مسبقا على إلحاح السارد في أن يلج المتلقي من منظور الصمت الذي عليه البطلان ، ولو ترك هذا الأمر للمتلقي ، يستنبطه بذاته ، لكان أبلغ ، خاصة أن البطلين هنا دون كلام أو حوار .
لو ولجنا القصة من زاوية المنظور السينمائي في النقد لوجدنا أننا أمام مشهد سينمائي متصل الإيقاع والحركة ، ولكنه سينما صامتة ، تصمت الأصوات ، ونسمع حركات الأقدام ، وتنهدات النفوس ، ومن ثم القرار المتخذ ، نرى رد الفعل، ومن ثم نعي مبرره .
وي منظور الفلسفة الشيئية : نجد تعاملا مؤنسنا مع الأشياء ، حيث نقرأ : "فحدثها باب المنزل بخروجه ، ناداها محرك السيارة برحيله ، انقطعت عنها جميع الأصوات ككل يوم ، همت بفتح خزانة ملابسها ، حملتها بين يديها لتكمل معها حديث الأمس،استمرأت حلاوته داخلها، أخذت تصفف شعرها الذهبي ،أرادت أن تتوجه بزهرة حمراء ، فسقطت الزهرة من يدها ، أحنت جسدها لإلتقاطها ، جذبتها عيناها إلى حقيبته ، أ شعرتها بعودته المفاجئة ، أسرعت بإخفاء صديقتها"، هذه الفقرة تمثل تعاملا مختلفا مع الأشياء ، فقد استعاضت( هي ) عن صمته بحوارها الأشياء ، تحادثها ، وتتوقع أن ترد عليها ، ونراها ترد عليها بالفعل وهذا من التجلي الفني للعمل ، حيث نلمس توحدا بين شخصية الزوجة وبين الأشياء ، وجعلنا السارد نعايش هذا التوحد من الكاميرا القصصية . في نفس الوقت الذي استحالت شخصية ( هو ) إلى شخصية حركية صامتة ، تعميقا لبرودة العلاقة بينهما ، فأصبح الجماد مؤنسا لهي ، محاورا لها عن الزوج الغائب عمدا ومتعمدا عن حياتها النفسية والمكانية والزمانية.
إن تأويل هذه القصة يجرنا إلى نتيجة مهمة : فعندما يموت الحوار في حياتنا ، يموت الإنسان : الروح والعقل ، ويحيا الجسد المتحرك ، ويستنطق الجماد والأشيا




حياة أسفل طاولة

ارتبك لوجوده الخفي ، كادت أصابعه تسقط من راحتيه ، مخارج حروفه تختنق ، لسانه يترجرج و تجاويف الفم, حبات العرق تعلن عن نفسها على جبهته ، تتهافت على عينيه ، يجففها بأردان قميصه المنسدلة على أطراف يديه ، الكلمات المدببة لاتخطيء طريقها نحوه، تظاهر بامتصاصها داخله ، لكن كل كلمة تشق جرحاً لها بجسده النحيل ، استقرت الكلمات ، كلمة بقلبة ، كلمة برأسه ، كلمة بين عينيه ، كلما أراد الدفاع عن نفسه المهتزة ، ُوضعت أمامه مرآة صافية ، رأى فيها وجوه الناس من حوله ، إلا وجهه لا يراه، يزداد قلقه ، توتره ، انهياره ،الدوار يلتف به ، ألقى به ليتقابل مع الأرض ، الرعشات تنزعه عن نفسه ، تعيده بقوة ، كصواعق الكهرباء ، يرتجف ، يتمتم بكلمات ضائعة ،

استمع
ابنتي حنين … حنين إليك

لعبة الصمت
صامت لا يتحرك بكلمة واحدة ، يدخل عليها ، يخرج عنها ، ولا يترك لها سوى حديث الباب أمامه ، أو من خلفه ، حاولت أن تتحدث إليه ، أو تجتذب منه حرفاً واحداً ، لكنه أصر الصمت أن يكون لها وحدها من بين أشياء المنزل ، لا تسمع سوى أنفاسه ، أو نتاج تحركاته الضئيلة، كأن حكماً بحبس انفرادي كتب عليها ، أغلق عليها كل وسائل المخاطبة، الهاتف ، الجوال ، التلفاز ، المذياع ، الجيران ، أشفق الملل بظمئها ؛ فجعلها تعتصره لتصنع ما يروق لها من عصائر الصبر ،دهسها العام بهذا الحال ، فحدثه الزمن بفشل خطته - لم يلحق بها الجنون بعد - هكذا كان يضمر داخلة ، أراد الهروب سريعاً ؛ فحدثها باب المنزل بخروجه ، ناداها محرك السيارة برحيله ، انقطعت عنها جميع الأصوات ككل يوم ، همت بفتح خزانة ملابسها ، حملتها بين يديها لتكمل معها حديث الأمس،استمرأت حلاوته داخلالمزيد


تدرج الضوء على سلم الظلام ، كاشفاً عن ركن يحتوي حديقة القصر ، تتكئ الملكة على أريكة متأرجحة ، ثلاث وصيفات شقراوات يقفن جوارها ، أبراج القصر الحجرية ترسم خلفية أفقية للمشهد ، مجموعة من الحراس يتداخلون ذاهباً ، وإياباً ، حرابهم اللامعة تتقاطع فوق الأسوار الملتفة ، أصوات مختلفة ، غير منتظمة ، تلقح الصمت الممتد ، يندفع أحد فرسان الجيش مخترقاً الطرف الأيمن من خشبة المسرح ، يترنح يميناً ، يساراً ، لبوسه الممزق ، وجهه المغبر ، غمده الفارغ ، رأسه المتكشف ، كل هذا ينبئ عن كارثه تركها خلفه ، واحد من حراس القصر يمنعه من الدخول ، يدفعه ، يقاومه ، يسقط نحو الداخل .
-الفارس : اتركني … اتركني … أريد الملكة في أمر هام .
بالطرف الآخر من خشبة المسرح ، ترفع الملكة رأسها في هدوء ، تقيم جسدها على الأريكة ، تحتوي الشجار بأسماعها ، تتساءل بكبرياء :
- الملكة : ما هذ ا الهرج الذي يخترق مجلسي أيتها الوصيفات ؟
- وصيفة : إنه يأتي من خارج القصر يا مولاتي ؟
- الملكة : نادي قائد الحرس أيتها الوصيفة .
- الوصيفة : سمعاً وطاعة يا مولاتي .
-
تغيب الوصيفة عن الأعين ، تتمتم الملكة بكلمات متعجرفه تكاد لا تصل إلى أسماع المتفرجين ، يظهر قائد الحرس بعد لحظات قلائل ، ينحني في خضوع :
- قائد الحرس : مولاتي؟
- الملكة : ويحك أيها القائد ، كيف تسمح لهذه الفوضى أن تسلل مسامعي ؟
- قائد الحرس : فارس من فرسان الجيش يريد اقتحام مجلسك يا مولاتي .
- الملكة : ماذا أتى به إلى هنا ؟!
- قائد الحرس : يقول بأنه يريدك في أمر هام .
- الملكة : أي أمر هذا يجعله يترك اقتحام صفوف الأعداء ، ويأتي لإقتحام مجالس النساء ؟!
- قائد الحرس : رفض أن يفصح عنه يا مولاتي .
- الملكة : أدخله كي نرى ما يخفيه .
- قائد الحرس : السمع والطاعة لمولاتي .
ينحني ، يغادر خشبة المسرح بظهره ، مكرراً انحنائه ، يقترب الصوت أكثر فأكثر ، يكشف المشهد عن قائد الحرس مرة أخرى ، مصطحباً الفارس ، تملص منه ، ارتمى تحت قدميها ….
الفارس : مولاتي … استحلفك بالآلهة أن تغادري المملكة الآن .
- الملكة : انهض أيها المجنون ، ما الذي جعلك تترك صفوف الحرب ، تاتي تستحلفني ؟
- الفارس : لم نحارب يا مولاتي … لم نحارب .
- الملكة : لم تحاربوا ؟ كيف ؟!
- الفارس : لقد أبيد الجيش عن آخره قبل أن يصل "هيلادس ".
نهضت الملكة من أريكتها ، غرست قدميها بأرض الحديقة ، ركلت رأس الفارس المفترشه أمامها .
- الملكة : أخرجوا هذا الغراب من هنا … أخرجوه .
- الفارس : مولاتي … لقد أبادنا "ديونيسيوس " بعاصفة اقتلعت رؤوس جنودنا من أجسادهم .
- الملكة : "ديونيسيوس"؟!
- الفارس : نعم يا مولاتي ، وقد أرسل معي رسالة لك .
- الملكة : "ديونيسيوس " إله السلم يرسل لي برسالة معك ؟!
- الفارس : نعم . تركني ، لم يقتلني لأحملها إليك ، وقال بانه يوماً ما سيرسل من يقتلك .
- الملكة : أين هي ؟ أرنيها … هيا ..
- نهض ، فرد قامته ، نزعها من قلب الألم ، خلع سترته الممزقة ، أدار ظهره العاري ناحية وجه الملكة .
- قائد الحرس : أيها المعتوه . كيف تجرؤ ، وتدير وجهك عن جلالة الملكة ؟
- الفارس : هاهي يا مولاتي ، لقد خطها بأظافر



لون الماء



نقوش باقية


الرقعة
-الآن فقط مات الملك .
- سنبدأ لعبة جديدة سيدي .
فنجان القهوة يثقل الرقعة المخضبة بوجوه البشر ، تجاوره سيجارة حمقاء تمد أنفها في قاع المنفضة ،قداحة ، لفافة خرائط ، نظارة شمسية ، وأشياء أخرى متناثرة على صفحات جريدة مهملة …..
أشرقت السماء بلون الليل ، انفجرت مواقع النجوم بصبغة النيران ،اللحظات باتت متأهبة لاحتواء المعركة القادمة ، تجمعت أكفهم بالقسم على أحلام القدر ، خيط من شرر الطمع يمتد بين رؤوسهم ؛ ليكتب لهم ميثاق الحرب : بأن احرقوا الأشجار ، اقتلوا كل النساء والأطفال ، اهدموا المساجد والكنائس والديار ، جففوا الآبار والعيون والأنهار … وأخيراً الهدف قتل الملك الأبيض، الملك الأسود وحده لابد وأن يعيش معتلياً عرشه فوق تلال الزمن ، تحمله أعناق الضحايا ليخلد في طريق الحياة . عاش الملك … عاش الملك … ترديد …
- بدأت اللعبة ….
تحركت الجنود السوداء للأمام ، استعدت الجنود البيضاء لصد الهجوم ، تداخلت الجحافل ، امتزج البياض بالسواد ، تساقطت عناقيد القنابل ، أصابت جدران الطوابي الحصينة ، الفلول البيضاء مازالت تقاوم ، قفزت الأحصنة السوداء خلفها ، توغلت بين الصفوف المتهالكة ، الصهيل الأسود يرعد قلوب المتفرجين ، دمرت كل الأسلحة القديمة ، ارتعدت الفيلة البيضاء فارتشفت قذائفها الصغيرة، و الأحصنة الأصيلة ركعت تحت أقدامهم ، مازالت الدماء تهتك عيون البياض المنتشر ؛ فطغى السواد على وجه المعركة ، انتشرت الأخبار عن قتل الوزير الخائن ، ومعه آلاف البشر ، وأن الملك يحتضر في مخبئه ، وأن نهراً جديداً ينبع من جروح الأبرياء ….
- أغلق المذياع .
- ما أجمل سماع الموسيقى الصاخبة .
تأرجحت الحبال من ملايين المشانق ، المت
عند المنتصف


مازالَ الطموحُ المرسومُ لتجسيدِ الرؤيةِ الواقعيةِ لمْ يأتْ جدوَاه ، ولمْ يستحوذْ على رِضي الساعين خلفَ تطورِه الدائم ، حتى بعد أنْ حققَ التجسيدُ المرئي تقدماً كبيراًً في عالمِ العرضِ السينمائي ، إلا أنه توقفَ عند محطةِ (D3) ، الرؤيةُ المجسمةُ ثلاثية الأبعادِ ، والتي تُعتبر آخرْ مَا تَوصلوا إليه فِي تقنيةِ العرضِ السينماِئي ، وتحتاجُ هذه التقنيةُ إلى ارتداء ِالمشاهد لنظارات خاصة تمكنه من التوصل إلى البعد الثالث ، بحيث يرى الأشياء المعروضة من ثلاث جهات ، وليست من زاوية واحدة مما يضفى نوعاً من المتعة البصرية ، وقد استخدمت هذه التقنية بشكل أكثر تطوراً في ألعاب (vedio geam )حيثُ توصلتْ هذه التقنية إلى قلبِ الخيال المرئي ، فيشعرُ الطفل كأنه جزء من عالم اللعبة ، وتحتاجُ هذه التقنية إلى نوعٍ من النظارات البصرية أيضاً ، و التي صممت خصيصاً لهذا النوع من الألعابِ ،وتُعتبر هذه النظارات هي معالجة للإدراك البصري العادي بطريقةٍ تكنولوجية حديثة ، فهي تقومُ بعمل دمج خَلقي بين الإدراكِ الداخلي بعقلِ الإنسان ، والرؤية الخارجية المتجسدة في فيلمِ مصور بأسلوبِ البُعد الثالث ، وقد احتاجَ المُشاهد إلى وسيطٍ ناقل لرؤية هذه الأبعاد الثلاثة في الصورةِ المتحركة ، فقامتْ النظارةُ المعالجة ، وانعكاسُ الرؤية بها على شاشةِ العرض بهذا الدور .
تلازمَ الخيالُ بعالمِ الأدب ، فكانتْ الصورَ الأدبيةَ التي يختلقُها المبدعون على أوراقِهم ، فيراها القارئ ويستمتعُ بها بطريقتِه الخاصة ،دون الحاجةِ إلي القوالبِ الجاهزةِ التي تفرضُها عليه عوالمُ السينما والتصوير ، يرسمُها حسب وعيه وإدراكه ، ورصيده النفسي و الثقافي ، فيتخيلُ الشخصياتَ ، والأماكن بمرجعيةٍ ذاتية ، يصنعُها كيفما شاءَت له نفسُه المتخيلة ، الكامنة في اللاوعي ، ومراكزِ الإدراكِ داخل عقله ، فيرَى شخوصَ وأماكنَ القصةِ بمرجعيةٍ خلفيةٍ من واقعِه الحاضر أو الماضي ، فيسيرُ التحليلُ الوصفي للشخصِ النحيفِ أو البدينِ متلازماً مع شخصياتِ واقعيةٍ وقفَ عليها اختيارُه الإدراكي لمطابقةِ الصفاتِ المقروءة، فلكلِ شكلٍ مقروء نظيره الواقعي بشاشةِ عرض القارئ الخاصة، لا يمكن لأي إنسان آخر الاطلاع على نتاجِها المصور ، ونستطيعُ أن نطبقَ ذلك من خلالِ قراءتنا لرسالةِ (التربيعِ والتدويرِ) للجاحظ في وصفَ صاحبه :
" كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي أنه مفرط الطول، وكان مربعا ، وتحسبه لسعة جفرته، واستفاضة خاصرته مدورا ، وكان جعد الأطراف قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وأنه عتيق الوجه، أخمص البطن، معتدل القامة، تام العظم، وكان طويل الظهر، قصير عظم الفخذ وهو - مع قصر عظم ساقه- يدعي أنه طويل الباد، رفيع العماد، عادي القامة، عظيم الهامة، قد أعطي البسطة في الجسم، والسعة في العلم "
من خلالِ قراءتنا لهذا الجزء من الرسالةِ تتحركُ ريشةُ باللاوعي لرسمِ صورةٍ مائيةٍ شفافة للموصوفِ على لوحِ الخيالِ الداخلي المعلق على حاملِ العقلِ الباطن ، فيقومُ العقلُ الحسِّي بالتعاونِ مع الذاكرةِ الدائمةِ للعملِ بتلوينِ هذه الصورة الشفافة بصبغةٍ واقعية ، يجذبُها القا

ظِلالُ الرَّصَاصِ
سَقَطَتْ أبْوابُ الجَامِعةِ الحَديِّديةِ تَحْتَ الأقْدامِ ، السّيلُ يَتدفقُ بالهُتافاتِ ، ولافِتاتِ الأشْعارِ ، الشّوارعُ تَنصبُ شُطآنَها أمامَ أمواجِ الحريةِ ، تَناغَمتْ الأصواتُ المحتدمة بأغوارِ الصّمتِ ، المرأةَ تُخالطُها الفتاةُ ، الشّيخُ يَنسجمُ مع الطّفلِ الصّغيرِ ، الأعناقُ تحملُ غليانَ الشبابِ ، يُلوحون بقبضاتِ الغضبِ الممشوق منْ الأعماقِ "يا حرية فينك فينك …. بينا وبينك " ، الجّموعُ المتدفقةُ تلتقطُ الفُتاتَ الُمتناثرَ منْ لُحومِ البُؤسِ … تتضخمُ … في طريقِها نحو العرينِ منْ بين غاباتِ البيوتِ ، اليومُ ستجلبُ لنفسِها حياةً جديدةً، أو ستُكفنُ في قبورِ الخبزِ المُتصلبِ …. تُواصلُ التّقدم…
هَطلتْ غِيومُ البنادقِ بالرصاصاتِ العمياءِ فوقَ رؤوسِهم ، تُزاحمُ لِحومَ الأجْسادِ ، يأتي التّساقطُ تباعاً وسطَ صرخاتِ النِّساءِ ، الفوضى تندسُ بين التماسكِ ، الأحذيةِ … الحقائبِ … الكتبِ تُخالطها الدماءُ ، عِصّي الجنودِ تحاصرُ الهُتافاتِ "هه.. هه.. يا حرية فيـ

أهْرَامـاتُ الضَّحـكِ
اهتز باب الشقة بدقات هادئة ، ظننت أنها فلول هاربة من عاصفة عابرة ، علمت أنها بصمة من بصمات حضوره المميز ، عندما انطلق الجالسون بصيحة واحدة ، زينتها الدهشة لهول المفاجأة ، انفجرت أفواههم بنطق اسمه تباعاً : "حازم ثابت " !!، التعجب كان حليف ِذكر اسمه دائماً ، السخرية المخضبة بالانبهار المتبوع باسترجاع أفعاله الغريبة تاجاً من تيجان سيرته الغائبة ، كنت قد التحقت بهم بعد الإعلان عن حاجتهم لمرافق يشاركهم مسكنهم ، عرفتهم نفسي ، عرفوني بأنفسهم ، بدأ التأقلم مع عادات كل واحد منهم يبني بيوتاً صغيرة لهم داخلي ، لكل منهم سمة تميزه ، عاداته الخاصة المختلفة التي ينفرد بها كل شخص عن غيره ، إلا أنهم اجتمعوا جميعهم على وليمة السخرية ، و التهكم حتى من أنفسهم أحياناً ، تعرفت على "حازم ثابت" من خلالهم ، شاركتهم الضحكات عندما كان يشرع أحدهم بتقليده بطريقته المضحكة التي تستدعي استجلاب مشاعر الهزل ، لترسم نفسها على معالم وجهي ، لم أحظ برؤيته من قبل ، لكني رأيت ما تركه خلفه من كتب باللغة الإنجليزية على مكتبه الصغير ، رأيته من خلال أشيائه غير المستقرة ، سرير سفاري ، دولاب رحلات صنع من جلد مصقول ، كرسي أشبه بكراسي البحر ، حاولت العبث خلسة في كتبه ، لكنها كانت تتعدى فهمي للغة الإنجليزية ، استنتجت من رحلة تصفحي القصيرة أنها كتب تختص بالهندسة ، والاقتصاد ، أشارت بعض لقيمات الكلمات التي التقطها ، والرسوم البيانية ، والتصميمات إلى ذلك ، رسم مجموع هذه الأشياء صورة " كركاترية " له بذهني ، لونها المقلد البارع "ياسر على" أحد فرسان الوليمة الساخرة ، بل وأمهرهم في امتطاء الشخصيات ، والعدو بها من حولنا ، لم يترك فيه شيئاً إلا وأصابه ؛ رأسه الحليق دائماً ، مشيته الكسولة ، عينيه المقفلة ، طريقته عندما يجد صعوبة في تذكر أسمائهم ، ملابسه التي لا تغادر جسده حتى أثناء نومه ، حقيبة كتبه التي تشبه أكياس الشحاذين ، كوبه الضخم ، ملعقته ، صحونه التي تتصدرها صورة الفأر الأمريكي الشهير ، حتى حذائه العسكري الطويل لم يسلم من إصاباته ، وسط هذه المسرحيات ، يقرءون على قوانين المعيشة بينهم ؛ مشاركتهم "جمعية مكافحة الجوع " ، هي جمعية فيدرالية من تأسيسهم ، يشترك فيها كل مقيم بينهم بسهم شهري من أجل شراء الطعام ، تركوا لي حرية اختيار يوم من أيام الأسبوع لممارسة الطبخ ، يوماً آخر لغسيل الأوعية ، ويوماً لإشغال الغسالة بملابسي ، ركن أحدده من أركان الشقة يكون تحت سيطرتي التنظيفية ، الغريب في هذا الأمر أن "ثابت" كما يلقبونه ، كان بعيداً عن هذه القوانين ، على وجه الخصوص بند "جمعية مكافحة الجوع " ، أخبروني بأنه يأكل طعاماً من نوع خاص ، يشتريه من مطاعم تصنعه له خصيصاً ، يعتمد اعتماداً كليٍّا على العصائر ، المعلبات ، الشيكولاتة ، بعض أنواع المكسرات ، لايسمح لأحدهم بمس متعلقاته الشخصية ، إن وقع واحد منهم في خطأ المساس بشيء من أشيائه تركه هدية له ، أو حذفه من حياته بصندوق المهملات ، بعدها يغسل يديه بجميع ماركات المعقمات ، كثيراً ما يغيب عنهم لأيام لا يعلمون عنه شيئاً خلالها ، يمحي اتصالاتهم فور ظهور رقم أحدهم على شاشة استقبال جواله القديم ، يثور لو تطرق متطفل منهم بسؤاله : أين كنت ؟ ، إلى أين أنت ذاهب ؟ ، لوائح قوانينهم واضحة ، بل وصارمة في بعض بنودها إلى حد لا يقبل المناقشة ؛ سداد الإيجار في موعده أول كل شهر ، عدم التخلف عن جدول الطبخ ، والنظافة تحت أي ظرف ، لكن ما أثار انتباهي ، أن عادات "حازم ثابت " الشاذة المضحكة ، كانت خطاً رئيسياً لقبولها ضمن لوائح هذه القوانين ، سألتهم عن غيابه أجابوا بصوت واحد : لا نعرف أين هو الآن ، غاب منذ أيام ولا نعلم عنه شيئاً ، لكنه يوما ما سيتحفنا بحضوره ، طارقاً علينا الباب ، ورغم انه يحمل مفتاحاً ، إلا أنه لا يستعمله أبداً ، زاد فضولي بسؤالهم عن دراسته ، أجابوا بنفس اللهجة السابقة : لا نعرف ماذا يدرس , ولا لأي كلية ينتمي ، يوماً نستقبله بكتب في الأدب ، يوماً يدخل علينا حاملاً أدوات هندسية ، وآخرها دخل علينا وعلى ذراعه معطف طبيب ، لا يسمح بالأسئلة أن تتسلل إليه ، وإن طرحت يتجاهلها كأنه فقد السمع ، انسحبت من هذا الاستحضار الذي غزاني ، تعلقت بالباب ، لأكشف إلى أي مدى وصل بي خيالي ، أردت أن أطابق الصورة بالواقع ، تقدم "مصطفى حسين " نحو الباب ، خلعه من مكانه ، كان أكثر فرسان الوليمة حكمة وعقلاً ، يصنع "إيفيهات " محبوكة ، تستدعي التفكير قبل الدخول في غيبوبة الضحك ، يستخدم دراسته لعلم النفس في إطلاق مسميات مختلفة علينا ، توجه بنظره محذراً "ياسر على " بأن يضع لسانه بالعلبة بدلاً من العفريت ، التزم الجالسون الصمت المحشو بطلقات الضحك ، تحرك الباب كي يكشف عن وجهه الملطخ بضباب الشتاء البارد ، بدأت مقاييس التطابق ترتفع ، تنخفض داخل ذاكرتي ، و نظرة مهيبة لتحرير النتيجة من قفصها,بدأ ظهوره يبدد الضلالات المتكتلة أمامي ، أثبت "ياسر على" - طالب الحقوق- أنه مصور من طراز راق ، الصورة كائنة كما وصفها تماماً ، ألقى علينا السلام كصدى صوت يرتد إليه ، رُدت إليه التحية بتواترات صوتية مختلفة ، كانت أقرب إلى لغة الوليمة الساخرة ، لم يتجرأ عليه أحد بالسؤال عن سبب غيابه خلال الأيام الماضية ، أضاع عليهم فرصة التمادي في محاورته ،دخل غرفته التي أتقاسمها معه ، غاب لحظات بالداخل ، كأنه أراد الاطمئنان على مصير أشيائه ، خرج معلقاً الكتابين رفقائي في رحلة التصفح القصيرة بأطراف أصابعه ، توقف أمام صندوق المهملات دفنهما داخله ، ثم هوس المعقمات ينهال به على مكتبه ، ويديه ، لفني الذهول وسط الغمزات ، واللمزات المتتالية ، كيف علم بأن يداً غريبة تلاعبت بكتبه أثناء غيابه ، سحب "مصطفى حسين " سؤالاً وصوبه نحوي ، هل لمست كتبه ؟ ، ألجمني الذهول بالصمت الذي اقتحمه "حازم ثابت " بسؤال آخر ، طالباً به الكشف عن شخصية صاحب السرير الذي يرافق سريره داخل الغرفة ، أنقذني " أحمد عبد الله " أحد المقيمين معنا ، ومن أبرز رواد الوليمة ، بل هو المحرك الأساسي لها ، صاحب إشعال فتيل السخرية الأول دائماً ، أشار بكفه الأيمن نحوي ، قدمني له ، وقدمه لي ، فانزلق بنظره إلى أسفل قدمي ، ارتفع يتفحص وجهي ، هز رأسه أمامي، بادلته ترحيبه بقلق ، و خجل ، حيث كنت أستعد للإجابة عن سؤاله القادم عن سبب تطفلي على كتبه التي فقدها منذ لحظات ، خذلني ، انسحب بهدوء نحو الداخل ، كان لابد لي من تهيئة نفسي للتعايش مع هذا الكائن المريخي كما يصفونه دائماً ، خلعت جسدي من مكانه مصطحباً حفنات من الفضول ، فرضت نفسي عليه داخل الغرفة المشتركة ،كان ممدداً على سريره دون أن يخلع ملابس خروجه ، بيده كتاباً باللغة الإنجليزية ، تظاهرت بترتيب ملابسي ، لم يعبأ بوجودي ، شهقت شهقةً داخلي ، استعداداً لغزو فضاء هذا الكائن ، لكنني فوجئت به يسبقني بسؤاله عن مدى حبي للقراءة ، و التداخل مع عالم الكتب ، فهمت ما يرمي إليه بالطبع ، يستخدم طريقة محقق المباحث في استدراج المتهم للإيقاع به ، يريد الوصول بطريقة غير مباشرة لمعرفة المتسبب في فقده لكتابين من كتبه ، أجبته بالإيجاب ، لكني نفيت عن نفسي حبي لقراءة الكتب الأجنبية ، صمت لحظات ، لم أدعه خلالها يخوض بالتفكير في سؤال آخر ، صممت ألا يصل إلى ما يريد ، وانهلت عليه بسؤالي بعد أن سبقني بضربته الأولى:
- حضرتك تقرأ كتباً أجنبية فقط ؟
- نعم . واسمي "حازم" بدون حضرتك.
- شرفت بك .
- أهلاً.
أعرض برأسه داخل الكتاب كالنعامة ، قررت أن أستمر في خوض المعركة ، رغم إجاباته المختصرة جداً ، والمحدودة ، كثفت الأسئلة مع استعدادي لتحمل النتائج :
- تقرأ أدباً انجليزياً؟
تظاهر بعدم السمع ، الإصرار كان يلح على بالمواصلة ، أعدت عليه السؤال :
- حازم . تقرأ أدب انجليزي ؟
رمقني بنظرة خافتة من خلف كتابه ، ازدادت حدة كأعين القطط السوداء بالظلام ، أعقبها بشرود غريب :
- هل تقرأ أنت أدباً انجليزياً ؟
- أقرأ روايات م

أصوات نعرفها
دق جرس الهاتف بمنزلنا.
تسابقت الأيدي لالتقاط السماعة – كنت الفائز – صوت رقيق اخترق مسامعي, تساءلت:
- من أنت؟
نظرت للجالسين، تلوت عليها اسمي, انخراط متبادل في الصمت، خذلتني موسيقى انقطاع الخط - أكيد لست أنا المقصود – جادت عليّ نفسي بالكلمات تصبها داخلي, التفتْ أصابعي بسماعة الهاتف، احتضنتها احتضان طفل صغير، مارت الأسئلة بوجداني:
- من تكون؟
- ماذا تريد؟
كثرت إفرازات الأحرف, العلامات، دارت الرحى برأسي, ألقى عليّ الجالسون نفس السؤال، كانت منّي اللاإجابة بالصمت الطويل, لم يعبأوا بالأمر، عادوا إلى نقر الكلمات بعيدًا عن الحدث, عقلي رفض أن يكون بعيدًا، الرحى طحنت عظام الرأس بالفعل.
- من تكون؟
- ماذا تريد؟
توقفتْ الرحى لتأخذ قسطًا من الملل, هبط عقلي للجالسين, شاركهم نقر الكلمات, ازداد الاحتدام, اندمجت الأصوات, اخترق الجرس النبرات, هذه المرة جرس باب منزلنا الصغير, انتهى وقت الملل, عادت تدور, توحشت في الدوران, بدأت تهشم نتوءات الجمجمة، تسابقت الأيدي لفتح الباب، فاز أخي الصغير بالجولة، الكل يترقب.. إلا اثنين من الجالسين اندمجا سويّا في نقر الكلمات، ألقيت بناظري على أعتاب الباب, أسمع صوت تهشم العظام برأسي:
- من يكون؟
- آه قد أخطأت السؤال أقصد:
- من تكون؟
- من تريد؟
نواظري مازالت عند الأعتاب تنتظر الإجابة, انفتح الباب, هه, إنه بائع جوّال, لم أهتم بما يبيع قدر اهتمامي بالشعور الذي غرسته أمي داخلي تجاههم وأنا صغير, حتى هذا الشعور, مر عبر جسدي سريعًا, شكرته قبل الإنصراف، ذكّرني بأمي - سامحه الله -. أعلمني انغلاق الباب ما قاله أخي للبائع، عاد ليأخذ حظه من نقر الكلمات, تعودت على صوت التروس الدائرة داخلي ونفس السؤال: من تكون؟ من تريد؟
خفتت الأصوات مع الأضواء, انزلاق بسيط نحو السكون, لحظات, بدأ يوم جديد غيّر مسار الانزلاق, كان أخي أول من قصّ شريط نقر الكلمات، تهافت الأشخاص. انتظرت الأماكن أصحابها على مأدبة الطعام، حان اللقاء, اختلطت الكلمات بصوت طحن الأسنان، رنين الأطباق يتطاير هنا, هناك, حتى ارتطم بجرس الهاتف, لم تتسابق الأيدي, الكل انشغل بالطعام, ففزتُ بالسّماعة بالتزكية, أمسكتها بيدي, أسندتها على راحة يدي الأخرى, صمتت قليلا، رفعتها نحو أذني، هتفت بعبارة استهلال المكالمات, إذ بصوتها قد عاد من جديد, لم تسألني من أنا
أحلام تحت المجهر
دس عينيه بفوهة المجهر بعد أن وضع شريحة تحمل عينة للفحص، حرّك عدسات المجهر, يمينًا فيسارًا لضبط مسار الرؤية، يدقق كثيرًا ثم ينهال بقلمه على أوراقه، بطريقة أقرب إلى الهستريا، مرت لحظات طويلة، قطعت من جسد الزمن وهو على هذا الحال، غير آبهٍ لوجودي، كان يصلني شعور التظاهر بالانهماك والتفاني بالعمل لدرجة تتخلل الوعي، أجلتُ ناظري بأركان المختبر الصدئ، ألتقط بعض الصور للأجهزة المتهالكة، بقايا عصارات الأحماض والأصباغ التي لطخت الطاولات والأرضية، المكان دميم، غير مألوف، لا يشجع على العمل ولا على هذا التظاهر الغبي الذي طالما مدده إليّ بتحركاته الغريبة التي تستفزني، فضلت التنفس من خلال الفم، لتجنبي الروائح الفرعونية التي تبثها جدران المكان المريضة بالرطوبة، ساعات مرت دون كلمة واحدة، يرطب بها ريقي الجاف، تساءلت: كيف سأقوم بالعمل في تلك الحظيرة؟ كيف سأتعامل مع هذا الفأر الضخم؟ أشعر أن طموحاتي ستكفن، تدفن هنا بمعدة هذا الحيوان اللزج، أعلم جيدًا أن الوظائف الحكومية تحتاج إلى ذوي النفس الطويل وصراعهم مع الصبر والأمنيات التي لا تتعدى الحصول على الترقية للدرجة الأعلى، فأبي كان ذا عقلية فذة، امتاز بها بين زملاء الدراسة بكلية الهندسة الميكانيكية وذلك على حدّ قوله، على حد ما أطلعنا عليه من شهادات، كثيرًا ما أخرجها من حقائبه القديمة، فخر بها أمامنا، طالما جمعنا أنا وإخوتي تحت دفء الأغطية، حكى لنا عن أحلامه، مشاريع اختراعاته التي تبخرت مع إلحاقه بالتجنيد مدة فاقت السبع سنوات، خوضه حرب الاستنزاف، حرب أكتوبر بسلاح المهندسين، يحكي فتختلط قصص تفوقه الدراسي بقصص مغامراته الحربية، بطولات زملائه بالجيش، نفس القصص كانت تتكرر في كل مرة يجمعنا فيها حتى أنني حفظتها عن ظهر قلب، رميت نواظري على زجاج النوافذ الرث، الذي يخنق أشعة الشمس فيرتد بها للفضاء، يبعث لي بخيالات متمايلة لشجرة حبيسة بالخارج، مالت معها رأسي نحو السؤال الذي كنت أسأله لنفسي دائمًا: لماذا لا يحكي لنا أبي عن عمله الحالي؟ كان يهمس دائمًا لأمي عن مشاكله بالعمل بعيدًا عن آذاننا التي كان يعتقد أنها بعيدة عن مواعظ أمي لنا، لما يواجهه من مشكلات وتحمله المتاعب، تضحياته التي يقدمها من أجلنا، كيف أنه يتحمل العناء من أجل توفير كل ما نتمناه كما تعتقد، مشكلات أبي العظيمة كانت تنحصر بين طموحاته، مغامراته، بين مديره الهائل القرارات، هذا ما علمته بعدما تلقيت بشرى نجاحي بتقدير جيد جدّا في كلية العلوم حين عانقني وقال: بنت الوز عوام، بعدها أغلق علينا باب غرفتي، غامر معي بحديث أبوي طويل، حدثني فيه عما كان من طموحاته وأحلامه عندما كان بالجامعة، عن اصطدامه بالواقع، بأبراج الإدارات الشاهقة التي غرست قبل مجيئه للعمل، كان حديث أبي لي بمثابة هدية نجاحي الثمينة التي يقدمها جزاء ما اقترفت من تفوق، مهددًا بالتثبيط الإداري والوظيفي، بعد أن انتهى من تقديم هديته سألني عن أمنياتي فأجبت بخجل اعتراني:
- عالمة في الذرة
ولم أندهش عندما نظر إليّ بابتسام، مخضبًا بدماء السخرية الدفينة، مربتًا على كتفي بحنان مفعم بآلام قديمة:
- وفقك الله يا ابنتي
خرج، جذب الباب خلفه، كأنه أرادني أن أجلس مع نفسي، أعيد تبلور كلماته داخلي، قد كان له ما أراد، رغمًا عني دخلت بدوامة التفكير في القادم، غول الأسئلة يهاجمني بشظاياه، يلقيها نحوي، يهرب ثم يعود عندما يتنهي مفعول الهجوم السابق، استلقيت على قارعة سريري الصغير، ذهبت لمملكة النوم.
- يا آنسة.. آنسة.. هل غلبك النوم؟
- هه.. أعتذر يبدو أني قد سهرت بالأمس
- أكيد هو القلق من العمل الجديد
- آه فعلا.. يجوز ذلك
- لا تقلقي، سوف يعجبك العمل هنا
- نعم، أستشعر ذلك فالمكان حقّا يشجع على العمل
نظر إليّ بنشوة الانتصار، على الفريسة بعينيه التي كادت أن تلتهمني بأنيابها الحمراء المنتشرة على البياض المحدب، قمت ألملم رداء خجلي المتبعثر أمام هذا الإنسان الكثيف، الذي يثير القرف بمعطفه الملطخ بخليط من الأوساخ الكيميائية ونظّارته التي تجمعت بين ثناياها الأتربة المتجمدة، خصلات شعره الملتفة كخاتم الزفاف.
- عفوًا يا آنسة لم أتشرف باسمك
- ينادوني أحلام
- وأنا حامد. حامد عمران
- شرفت بك
- وأنا أكثر
- هل من الممكن أن أعرف ما هي طبيعة عملي هنا؟
- لا تعجلي برزقك، اليوم أنت ضيفتنا
- شكرًا لك، ولكن أريد أن أعرف ما سأقوم به تحديدًا
- حسنًا، طبيعة عملك هي أن تقومي بتحضير العينات المعملية التي تأتينا من وزارة الزراعة، والصحة وإعدادها للفحص
- أفهم من ذلك أنني لن أقوم بالفحص بنفسي؟
- قلت لا تعجلي برزقك، عملية الفحص والتشخيص وإخراج التقارير هي مهمتي
- آه.. فهمت.. أشكرك
- لا شكر على واجب
*****
كان أبي يجلس على مقعده المفضل بجلبابه الأبيض الفضفاض، وقد نشر أوراق الجريدة أمام رأسه المختبئ، إلا من صلعته الفسيحة الملساء، صورة الرئيس تتصدر الصفحة المواجهة، مصافحًا أحد الزعماء العرب، لم أتوقف على المشهد كثيرًا حتى شعر أبي بوجودي، طوى الجريدة دون اهتمام بهندمة الصفحات:
- طمئنيني، ما الأخبار؟
- الحمد لله، الأمور تسير على ما يرام
- هل استلمت العمل؟
- نعم، من أول لحظة
- عظيم جدّا
بعد دعائه لي بالتوفيق كعادته، عاد ليحمل جريدته بأخبارها التي ينتظرها كل يوم بشغف، على الرغم أ

نحو الخلاص
جلس في انتظار الدور القادم من التتابع، تعددت الملامح المستلقية على المقاعد، والمشاهد بتسلطها فرضت على الأعين التطلع، طفل صغير يئن، يتشبث بالأحضان، رجل جمع آلامه، دثرها بجلبابه القروي، امرأة تعض على منديلها كي توئد الآهات، الكثير من المشاهد تباعدت مع الجدران بالحجرات، ضيق التنفس يحاصره بين الحين والحين، أراد انتزاع رئته من الداخل كي يستريح، جهاد بعراك نحو الحياة، صوت السعال يرتفع بتبادل مع الجالسين، قاهر الانتظار وراء مكتبه الصغير بحلته البيضاء، وبشراه التي يزفها باقتراب الموعد للقاء، ارتفعت الأعناق، توحدت الأنظار مع القادم الجديد، الخارج الذي يحمل بيديه ورقة الفرج والخلاص، التتابع يسير بالموكب في النظم الرتيب، اختلطت صوت الأنفاس المتحشرجة بالأنين، نوبات السعال، التضرعات الخافتة، تستجلب الآمال، قامت امرأة تجر بقطارها طفلا صغيرًا، آلامه التي يزحفها خلف ظهره الغض، توقفت هناك أمام المكتب الخاشع للوجوم، تساءلت بلغة الأرقام، عادت بقطارها ذات الخلف تعد خطوات المسير، صوبت الأعناق المتباطئة أعينها نحوه بعد تلقي بشرى اللقاء، الدور قادم بعد الخروج، زاد الخناق بالتنفس نحو الحياة، تقلصت الرئة حتى التحمت بالأوجاع، تمددت حبيبات العرق، طفت على السطح، خوف مجهول تسلق شرايينه المتشعبة، تجمهرت كتل الدماء أمام الفوهات مع الخارج السافر، تلقى تأكيدًا بالدخول، قام يجرجر قدمه بقدمه الأخرى، تساوت الأقدام بالغرفة المظلمة إلا من مصباح أوقده القابع وأحنى رقبته كي يضيء رقعته الأنيقة، الكلاسيكية، تتخم المكان برائحة الماضي التي طغت على عنفوان المعقمات، أشار بيده للجلوس بعد أن مطّ شفتيه بروتين الابتسامات.
- كيف حالك؟
- تتناول الدواء بانتظام؟
- نعم ولكن لا أشعر بتحسن
- هل قمت بعمل صورة بالأشعة؟
- نعم ها هي
جذبها بأطراف أنامله المترفة، لوى رقبة المصباح نحوه، رفع صفحة الصورة كي تعترض الضوء المنسدل، كشفت الصفحة عن كتلتين من السواد تتعرضهما خطوط مائلة للبياض، بعض من أشكال تائهة بين المسميات، دقق فيها بعمق عصيب، أعاد عنق المصباح نحو الرقعة كاشفًا عنها الظلال
- الحالة مستقرة
- لكني لا أشعر بتحسن
- صورة الأشعة تنبئ بالخير
- الاختناق يزيد يومًا بعد يوم
- تفضل استلق على السرير
استلقى بجسده على السرير الرابض بين ثنايا الأمس البعيد، مدّد نظره ناحية الفضاء المستكين يعد النجوم، أملا في سقوط شمس غائبة.
- تنفس.
……….
- أحبس الأنفاس
..
- الآن أخرجها ببطء
……….

الذى ثأر لضحاياه
- والله بريء، حرام عليك، أولادي مَن سيربيهم، منك لله.
كانت هذه الكلمات تتردد داخل عقل المهندس (مهران عبد السلام) - أحد وأهم المهندسين الذين يعملون بالشركة العالمية لتصنيع اللحوم - عندما غادر ساحة المحكمة، بعد النطق بالحكم في قضية مقتل رئيس حسابات الشركة، وسرقة خزانتها، كان المتهم الأول في هذه القضية (ناجي إبراهيم) حارس الأمن المسئول عن وردية الأمن الليلية بالشركة، صدر الحكم بإعدامه، وذلك بعد الشهادة التي شهد بها المهندس (مهران عبد السلام).
أخذت هذه الكلمات تمور في وجدان (مهران) إلى أن وصل إلى منزله، دخل إلى غرفة نومه، ألقى بجسده المنهك على السرير، عيناه زائغتان، كلمات (ناجي إبراهيم) تحاصره من كل ناحية.
- والله بريء.. حرام عليك.. أولادي مَن سيربيهم.. منك لله.
أطلق فجأة مهران ضحكة ليس منبعها القلب، بل من غابة سوداء نبتت داخله، حوّل نظره إلى المرآه أمامه، حدّق فيها طويلا، قائلا لنفسه بطريقة تهكمية:
- هه.. (منك لله).. (منك لله)!
أخذ يضحك بطريقة هستيرية، حتّى انقطعت نوبة الضحك بصمت وهدوء شامل، انتهى به إلى النعاس، كأنه أراد أن يطبق المثل الشعبي المعروف" "نوم الظالم عبادة"!
دق جرس الباب مقتحمًا الصمت الذي خيّم على المكان، استيقظ (مهران) من سباته العميق مفزوعًا، قام من سريره مترنّحًا، متجهًا ناحية الباب ليعرف.
- من؟.. من بالباب؟
إذا برجل عجوز يوحي صوته أنه أقام حلفًا قويّا مع الزمن:
- افتح يا مهران
قام مهران بفتح الباب بحرص شديد، رجل عجوز ممزق الملابس، مغبرّ الوجه، صنعت الأيام بظهره منحنًى، أثقلت حركة قدميه، بدأ الرجل بالتحرّك داخلا شقة مهران بخطوات بطيئة.
- من أنت؟
- [مبتسما]: ألا تعرف من أنا يا مهران؟
أخذ (مهران) يحدّق في وجهه متطلعًا إليه، معيدًا قرص ذاكرته للوراء، ولكن لم يعثر بذاكرته على أي شيء يدلّه على هذا الرجل الغريب.
- من أنت، وكيف عرفت اسمي؟
جذب العجوز كرسيّا من المنضدة جالسًا عليه.
- اجلس يا مهران.. اجلس
جلس مهران وقد وصل إلى قمة الذهول
- ألا تعرفني يا مهران؟
- لا.. لا أعرفك!.. من أنت، وماذا تريد؟
بادره العجوز فجأة:
- أنت القاتل يا مهران
- قاتل؟.. قاتل مَن؟
- أنت من قتلت محاسب الشركة وسرقت الخزانة!
هب (مهران) واقفًا وكأنما لدغه ثعبان:
- أي محاسب وأي خزنة؟.. أنا لا أعرف عمّاذا تتحدث!
- لماذا يا مهران؟.. ألا يكفيك ما فعلته في دنياك؟
صرخ فيه مهران:
- انطق أيها الرجل: من أنت؟
واصل العجوز كأنما لم يسمعه:
- أصبت زوجتك بالجنون، أدخلتها مستشفى الأمراض العقلية بيدك، كي تستولي على ثروتها التي تركها لها أبوها، حين علمت أنها كتبت ثروتها لابنتك، قمت بقتلها بسيارتك.
انتفض مهران مذهولا، وهتف:
- أنت.. أنت كاذب.. زوجتي كانت مجنونة، ابنتي ماتت في حادث سيارة وهي تعبر الطريق.. أنا لم أقتل.. لم أقتل.
- اجلس يا مهران.. اجلس
جلس مهران بتثاقل، همهم العجوز بهدوء:
- أنا أعرف عنك كل شيء يا مهران.
- انطق.. من أنت؟
- ألا تعرف من أنا؟
- نعم أيها الكاذب، لا أعرف من أنت.. هيا اخرج من بيتي.. هيا.
- بيتك؟.. هاهاهاهاه.. بيتك الذي اشتريته من صفقة اللحوم الفاسدة، التي أدخلتها مصنعك، راح ضحيتها العشرات، كان من أولهم أعز أصدقائك الدكتور (محمود توفيق) الذي لفقت له القضية؟!
انهار (مهران) مرتميًا على كرسيه، وهو يهمهم مصدومًا:
- من أنت أيها الرجل؟.. كيف عرفت عني كلّ هذه الأشياء؟

لوزات الجليد
كانت تقف خلف النافذة الزجاجية، بحجرتها المتطرفة بقصرها العتيق، لوزات من الجليد تساقطت، تكمل رسمها للوحة البيضاء، غزا جسدها شعور بالبرودة، مدت ناظريها نحو المدفأة المشتعلة، جذبت منها بعضًا من حبيبات الدفء، اكتمل رسم اللوحة بالخارج، بقي منها بعض من الرتوش، نقحته لوزات الجليد في تتابع، كرة من أعشاب برية دحرجتها الرياح من أعلى الهضبة، أضافت شكلا جديدًا للوحة، نغمات البيانو تصاعدت، بمقطوعة" البجعات" من موسيقى "تشايكوفسكي" عبرت الردهة، البهو الكبير، تشعبت داخل الغرف، شوهت اللوحة المنسجمة مع التساقط، نفضت حبيبات الدفء، فتحت الباب المتجمد بروعة الغضب، وقفت على رأس الدرج المطل على ركن البيانو، النغمات تقطعت، انخفضت ثم سكنت.. بالقاع.
- الخادمة: سيدتي؟؟!
- من؟
- إنها "آناريتا" سيدتي.
- ألم أقل أني لا أحب تلك النغمات في بيتي؟
لاحت الفتاة الرقيقة بحضورها، وسط الحديث بوجه شاحب، اقتحم جمالها المكنون، توقفت وسط البهو تحت الثريا المتهدلة، أطلقت السيدة (إيمي) نظرة ثاقبة بجحوظ عينيها نحو البراءة والهدوء:
- إن عدت سوف أحطم البيانو فوق رأسك.
- حاضر عمتي لن أفعلها ثانية.
أدارت وجهها تشق أجواء المكان، ركلت الباب المتجمد، عادت للنافذة مع بقايا من النظرات، صهرت بعضًا من لوزات الجليد المتساقط، الكرة اقتربت من أطراف اللوحة، اتضحت ملامحها الممتزجة بذرّات الجليد، تباعدت اللوحة بالشخص القادم، امتطى زحافات للتزلج، مخلفًا وراءه خطين من السواد، لوزات الجليد قامت بدورها من التلوين والتنقيح، مع انكشاف المعالم، بدا ساعي البريد بمعطفه المخملي وجعبته المنتفخة بالرسائل، لحظات من التصفح بوجه الأرض، وترقب للقادم، ثم اختفاء في النفس تبعه دقات على باب الغرفة الحبيسة.
- من؟
- رسالة يا سيدتي؟
- دعيها على المنضدة
فتحت الخادمة الباب في هدوء، دلفت الحجرة، وضعت الرسالة كما أمرتها.
- تأمرين بشيء آخر سيدتي؟
- اخرجي ولا تأخذي معك حفنات من الهواء الدافئ
نظرت الخادمة نحو النافذة الزجاجية بتراجع للوراء، جذبت الباب، غابت مع وجهه الآخر، اقتربت "إيمي" من المنضدة، أمسكت بالرسالة بتفحص أعقبة ابتسام ساخر.
- إنها من موس

الرصيف المقابل
كان يقف أمامي، في الجهة المقابلة من رصيف محطة القطار، لم يشعر بالترقب أو الاهتمام، حطّ بحقيبته على أرض الرصيف، تراجع خطوات للوراء، جلس على المقعد الرخامي، اندفع الهواء البارد غمر المكان، استدعى شعورًا بالارتياح وآخر لمواصلة التأمل، تشابكت أصابعه، ربت بكل أصبع على الآخر بانتظام، انحنى بأطراف وجهه بانفراج، امتلأ المكان بالأنفاس وبخار الماء، كانت أنفاسه تصلني مع دفعات الهواء، لكنه حاصر مشاعره هناك بالجانب الآخر، ألبسها ثوب الانغلاق، غرق في التفكير – ربما يفكر فيما ينتظره من أعمال – تطلع في ساعته مع تنهدات الانتظار، ألقى بظهره للوراء، زحزح عقدة رابطة العنق تجاه الحنجرة، ربّع يديه في خشوع، عاد يرقب القضبان، ازداد تتابع الأنفاس، تقلصت برودة الهواء، ارتفعت حرارة الكتب بين يدي، تذكرت موعد المحاضرة، في نفس المكان التقينا عند باب المدرج وسط التدافع نحو الدخول، كان ميلاد اللقاء، مرر الابتسامات بين تآلف الأرواح، ألقى بفسيلة









